ابن كثير
42
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بيانه ، وجعل أبو سفيان يجهد أن يحقر أمره ويصغره عنده . قال في هذا السياق عن أبي سفيان : واللّه ما منعني من أن أقول عليه قولا أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها علي ولا يصدقني في شيء . قال : حتى ذكرت قوله ليلة أسري به ، قال : فقلت أيها الملك ألا أخبرك خبرا تعرف أنه قد كذب ؟ قال : وما هو ؟ قال : قلت إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا ، أرض الحرم ، في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء ، ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح . قال ، وبطريق إيلياء عند رأس قيصر ، فقال بطريق إيلياء : قد علمت تلك الليلة ، قال : فنظر إليه قيصر وقال : وما علمك بهذا ؟ قال : إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد ، فلما كان تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني ، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم فعالجته ، فغلبنا فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلا ، فدعوت إليه النجاجرة ، فنظروا إليه فقالوا : إن هذا الباب سقط عليه النجاف والبنيان ، ولا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى . قال : فرجعت وتركت البابين مفتوحين . فلما أصبحت غدوت عليهما ، فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب ، وإذا فيه أثر مربط دابة ، قال : فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي ، وقد صلى الليلة في مسجدنا ، وذكر تمام الحديث . [ فائدة ] قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه [ التنوير في مولد السراج المنير ] وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه فأجاد وأفاد ، ثم قال : وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس ، وشداد بن أوس وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن قرط وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين ، وعبد اللّه بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة ، وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب وأبي الحمراء ، وصهيب الرومي وأم هانئ ، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهم أجمعين ، منهم من ساقه بطوله ، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد ، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة ، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون ، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [ الصف : 8 ] . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 2 إلى 3 ] وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً ( 2 ) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً ( 3 ) لما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عطف بذكر موسى عبده ورسوله وكليمه أيضا ، فإنه تعالى كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد عليهما من اللّه الصلاة والسلام ، وبين ذكر